رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

214

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

والأوصياء والمؤمنون - فلكون طينتهم خالصاً عن السواد والنتن الذاتيّين ، فميلهم واختبارهم إلى الإيمان من جهة ذواتهم ، ولا يتحوّلون عن الإيمان لذلك ، ومَن خلق من حمأ مسنون بعكس هذا ، والمستضعفون لمّا لم يخلقوا من طينٍ لازب ، ولا من حمأٍ مسنون بل من تراب ، فأمرهم منوط بمشيئة اللَّه تعالى . وليعلم أنّ الألفاظ يتطرّق إليها الاستعارات والكنايات ، خصوصاً في مقام ذكر الحقائق المتعالية عن أن يحيط بها أفهام العوامّ ، ولكنّ الغرض المسوق له الكلام ممّا لا يكاد يخفى على من له أدنى تميّز ، والمعصومون عليهم السلام ذكروها على وجه يأخذ صاحبُ كلّ مرتبة قسطه منها ؛ فبعض ينتفعون بفهم الغرض ، وبعض يتفطّنون بالكيفيّة والّلم على حسب ما انفتح لهم عين القلب . ولعلّك سمعت في كتاب التوحيد عدّة أصول يمكنك أن تجعلها سُلّماً للارتقاء إلى المقصود . والذي أقول هاهنا هو أنّ النظام الأعلى - الذي هو عبارة عن جميع الممكنات التي عيّن لها في العلم تشريف الوجود من خزانة الفيض والجود - / واجب الوجود بالنظر إلى الحكمة الكاملة على النسق والترتيب الواقع ، وينقسم أجزاؤه إلى ذوي الإرادة وغير ذوي الإرادة ، وذوو الإرادة إلى ذوي العقل الذين يعبّر عنهم بالمختار ، وغير ذوي العقل ، وكلّ واحد واحد منها بخصوصه معلومٌ للَّه‌تعالى علماً متعالياً عن أن يُحاط بكنهه . والمختار قسمان : قسمٌ معلوم للَّه‌تعالى في الأزل أنّه حين ما يصادف من أجزاء النظام ما أتيح له يختار أخلاقاً واقعاً لا تجعله قابلًا لأن يدخل الجنّة تفضّلًا . وقسمٌ معلوم له تعالى أنّه حين ما يصادف من أجزاء النظام ما أتيح له يختار أخلاقاً واقعاً لا تجعله قابلًا لأن يدخل النار عدلًا . وكما كان للجنّة والنار طبقات ، فكذلك كان لكلّ من القسمين ذوو درجات على حسب تلك الطبقات . والمفهوم العامّ الشامل لجميع ذوي درجات القسم الأوّل يمكن أن يُعبّر بطينة